ابن كثير
148
البداية والنهاية
ترجع ، وتظن أنك بلا رقيب وأعمالك إلى المراقب ترفع ، تقدم على الكبائر وعن الصغائر تتورع ، وتؤمل الغفران وأنت عن الذنوب لا تقلع ، وترى الأهوال محيطة بك وأنت في ميدان اللهو ترتع ، وتستقبح أفعال الجهال وباب الجهل تقرع ، وقد آن لك أن تأنف من التعنيف وعن الدنايا تترفع ، وقد سار المخفون وتخلفت فماذا تتوقع " . وقد أورد ابن الساعي له شعرا حسنا فمنه : إن سهرت عيناك في طاعة * فذاك خير لك من نوم أمسك قد فات بعلاته * فاستدرك الفائت في اليوم وله : إن ربا هداك بعد ضلال * سبل الرشد مستحق للعبادة فتعبد له تجد منه عتقا * واستدم فضله بطول الزهاده وله : إذا تعففت عن حرام * عوضت بالطيب الحلال فاقنع تجد في الحرام حلا * فضلا من الله ذي الجلال ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة فيها كانت وقعة عظيمة بين الأشرف موسى بن العادل وبين جلال الدين بن خوارزم شاه ، وكان سببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة خلاط في الماضي وخربها وشرد أهلها ، وحاربه علاء الدين كيقباذ ملك الروم وأرسل إلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده ، فقدم الأشرف في طائفة كبيرة من عسكر دمشق ، وانضاف إليهم عسكر بلاد الجزيرة ومن تبقى من عسكر خلاط ، فكانوا خمسة آلاف مقاتل ، معهم العدة الكاملة ، والخيول الهائلة ، فالتقوا مع جلال الدين بآذربيجان وهو في عشرين ألف مقاتل ، فلم يقم لهم ساعة واحدة ، ولا صبر فتقهقر وانهزم واتبعوه على الأثر ، ولم يزالوا في طلبهم إلى مدينة خوي وعاد الأشرف إلى مدينة خلاط فوجدها خاوية على عروشها ، فمهدها وأطدها ، ثم تصالح وجلال الدين وعاد إلى مستقر ملكه حرسها الله وفيها تسلم الأشرف قلعة بعلبك من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل ( 1 ) ، ثم استخلف على دمشق أخاه الصالح إسماعيل ، ثم سار إلى الأشرف بسبب أن جلال الدين
--> ( 1 ) قال أبو الفداء في تاريخه : وعوضه الملك الأشرف عنها الزبداني وقصير دمشق الذي هو شماليها ومواضع أخر . وتوجه الملك الأمجد وأقام بداره التي داخل باب النصر بدمشق " دار السعادة " ( 3 / 145 ابن خلدون 5 / 352 ) .